صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
46
شرح أصول الكافي
هذه كلها ليس الموجود في هذا الشخص الّا ذات واحدة له هويّة بسيطة أحدية سارية في الأعضاء كلها ، وليست كثرة الأعضاء وانقسامها قادحة في وحدته ، لان وحدتها ضرب اخر من الوحدة شبه الوحدة العقلية ووحدة الأعضاء وحدة بالاتصال ونحوه . وبالجملة فللنفس مقامان : مقام التنزيه والتعرى والغيبة عن البدن والأعضاء ، ومقام المعية والخلط والاجتماع معها والنزول إلى مرتبتها ، وهي في كلا المقامين على وحدتها وطهارتها الذاتية ، كالنور إذا وقع في القاذورات والنجاسات لا يتنجس بنجاستها ولا يتكثر ذاته بكثرتها ، فالنفس في كلا المقامين ذات احديّة موصوفة بصفاتها التنزيهية ولا يغيب عن ذاتها في شيء من المقامين ، الا ان النّفوس « 1 » النّاقصة المغمورة في البدن نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ « 2 » ومثالنا في النفوس الكاملة التي لا يشغلها شأن عن شأن ، الا انها في المقام الثاني يوصف بصفات البدن واحكام الكثرة والتجسم والتغير على وجه لا يقدح في وحدتها وتجردها ، فاجعلها مقياسا لك في معرفة البارئ جل وعلا . فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول : انّه تعالى كلّما ذكر في اوّل الخطبة من نعوت الاحديّة وأوصاف الفردانية والتنزيه والتقديس كانت ثابتة له تعالى باعتبار ذاته قبل ان يخلق الخلق ، وان الّذي يعيده من التوحيد والتنزيه في ذيل الخطبة كان له في المقام الجمعي الإلهي لئلا يلزم التكرار في كلامه . وهو قوله : الواحد الاحد الصمد ، المبيد للأبد والوارث للأمد ، يعنى ان أبده عين أزله وامده عين ابتدائه ، بل لا أزل ولا ابد ولا ابتداء ولا امد حيث ذاته ، لأنه الّذي لم يزل ولا يزال وحدانيا أزليا قبل بدئ الدهور وبعد صروف الأمور ، لأنه أصل كل شيء ومنبعه ومبدئه وهو غاية كلّ خلق وكماله وآخره ووارثه الّذي لا يبيد ولا ينفد وكل ما سواه بائد نافد ، بل من حيث إنه سواه باطل مضمحل دون وجهه الكريم . ولمّا وصف ( ع ) ربه بهذا المحامد الشريفة والتماجيد العظيمة والتوحيدات القدسية والصفات الأحدية والنعوت الصمدية التي لم يسبقه بمثلها أحد ولا تلحق
--> ( 1 ) . الا النفوس - م - د - ط ( 2 ) . الحشر / 19